ابن كثير
164
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
في مجلسنا بالبقيع فقال : حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالبقيع وهو يقول : « من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة » قال : فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق بهما ، فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي ، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلا أشد منه سوادا ولا أصغر منه ولا أدم ، ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال : يا رسول اللّه أصدقة ؟ قال : « نعم » قال : دونك هذه الناقة ، قال فلمزه رجل فقال : هذا يتصدق بهذه فو اللّه لهي خير منه . قال : فسمعها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « كذبت بل هو خير منك ومنها » ثلاث مرات ، ثم قال : « ويل لأصحاب المئين من الإبل » ثلاثا قالوا إلا من يا رسول اللّه ؟ قال : « إلا من قال بالمال هكذا وهكذا » وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال : « قد أفلح المزهد المجهد » ثلاثا . المزهد في العيش ، المجهد في العبادة . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام ، فقال بعض المنافقين : واللّه ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء ، وقالوا : إن اللّه ورسوله لغنيان عن هذا الصاع « 1 » . وقال العوفي عن ابن عباس : إن رسول اللّه خرج إلى الناس يوما فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم ، فجمع الناس صدقاتهم ، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر ، فقال : يا رسول اللّه هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر ، فأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ينثره في الصدقات ، فسخر منه رجال وقالوا : إن اللّه ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء ، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هل بقي أحد من أهل الصدقات ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم يبق أحد غيرك » فقال له عبد الرحمن بن عوف فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات ، فقال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أمجنون أنت ؟ قال ليس بي جنون ، قال أفعلت ما فعلت ؟ قال : نعم مالي ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأما أربعة آلاف فلي ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت » ولمزه المنافقون فقالوا واللّه ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعا ، فأنزل اللّه عز وجل عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ « 2 » الآية . وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد وقال ابن إسحاق : كان من المطوعين من المؤمنين في
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 430 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 430 .